ابو جعفر محمد جواد الخراساني
63
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
يشددها ولعفنت عند ذلك ، ولو لم يصل إليها حرّ الشمس ، لما نضجت ؛ ولكن شمس مرّة ، وريح مرّة ، وبرد مرّة ؛ قدّر اللّه ذلك بقوّة لطيفة ودبّره بحكمة بالغة » « 1 » . فهي بهذه الدلالة ، تحكي عن المدبّر السيّاس ، الذي بسياسته يدبّر الأمور على ما ينبغي من رفع المحذور وجلب الخير ودفع الشّرور ، كالملك السّائس أمر النّاس . وآية التدبير منها بوجه آخر أيضا واضحة ، وذلك من حيث ما نرى لكلّ منها مصلحة خاصّة . فمن تأمّل في اجزاء العالم حقّ التأمّل ، يرى العالم كبيت إذ مهّد بالآلات والأدوات التي جعلت معدّة لكثرة الحاجات والمآرب الماسّة إليها ، هذي لحاجة وذي لحاجة . قال الصادق ( ع ) ( في حديث المفضّل ) : [ أول الادلّة على وجود الصانع المدبّر تهيئة هذا العالم ونظم أجزائه ] « أوّل العبر والادلّة على الباري - جل قدسه - تهيئة هذا العالم وتأليف اجزائه ونظمها على ما هي عليه ؛ فإنّك إذا تأمّلت العالم بفكرك ، وميّزته بعقلك ، وجدته كالبيت المبنيّ المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده ؛ فالسّماء مرفوعة كالسّقف ، والأرض ممدودة كالبساط ، والنّجوم منضودة كالمصابيح ، والجوهر مخزونة كالذّخائر ؛ وكلّ شيء فيها لشأنه معدّ ؛ والانسان كالمملّك ذلك البيت ، والمحوّل جميع ما فيه ؛ وضروب النبات مهيّئة لمآربه ، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه ؛ ففي هذا دلالة واضحة على انّ العالم ، مخلوق بتقدير وحكمة ونظام وملائمة ، وأنّ الخالق له واحد . وهو الّذي الّفه ونظّمه بعضا إلى بعض ، جلّ قدسه ، وتعالى جدّه ، وكرم وجهه ، ولا إله غيره ، تعالى عمّا يقول الجاحدون وجلّ وعظم عمّا ينتحله الملحدون . . . » « 2 » . وقال ( ع ) أيضا في هذا الحديث : « فكّر في هذه الأشياء الّتي تراها موجودة معدّة في العالم من مآربهم : فالتّراب للبناء ، والحديد للصناعات ، والخشب للسفن
--> ( 1 ) . البحار 3 : 157 / 1 . ( 2 ) . المصدر 3 : 61 / 1 .